نكس نت
أخبار

فرنسا بين أزمة ديون واضطرابات تهدد استقرار الجمهورية

غرفة أخبار نكس نت 3 دقائق قراءة
الصورة من مصدر الخبر، وقد تُظهر المكان أو الموضوع لا الواقعة نفسها

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات عابرة، بل تكشف عن تعقيدات متعددة الأوجه. يتقاطع ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. تستعد البلاد لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، بينما تتزايد المخاوف من تحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة ومكانتها داخل الاتحاد الأوروبي.

في شوارع مدن عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان. شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات وقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. لم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفراء» إلى الساحة بعد استراحة طويلة. أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم. المهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتم الاستعداد لمواصلة المعركة. تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية وتآكل الثقة بالخدمات العامة.

الدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية تواجه سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟ المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة. اقترب الدين العام الفرنسي البالغ 4 تريليونات دولار من 119 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ 3.55 تريليونات دولار.

يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المئة لعام 2026. يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المئة من الناتج المحلي، مما يعقد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة. ترتفع أسعار الفائدة، فتصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها للاستثمار والخدمات.

تشير التقديرات إلى حاجة فرنسا لإصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل. يتراجع إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية. لا يعني ذلك توجه فرنسا حتماً لأزمة شبيهة بما شهدته اليونان بين عامي 2009 و2010، أو انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق.

حجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية؛ فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته. لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد أو تحميل رئيس معين المسؤولية الكاملة عنه.

تراكم الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار دون نجاح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. يعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام. أدت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل إلى زيادة الأعباء.

الحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن من عكس مسار الدين. يُعزى ذلك في المقام الأول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كوفيد-19 وموجة التضخم في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

النموذج الاجتماعي الفرنسي أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة. كل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة. يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

منذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة. توزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. أصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

يستفيد اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبن وحزب التجمع الوطني من هذا المناخ. خطابهم يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدمون أنفسهم بديلاً قادراً على إعادة الانتظام. في المقابل، تستقطب حركة فرنسا الراديكالية بقيادة جان لوك ميلانشون جزءاً من الغاضبين.

بين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكل القاعدة الشعبية لماكرون. تتزايد المخاوف من تشتت الأصوات المعتدلة وتعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً. استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق.

فرنسا اليوم تواجه معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية. الانتخابات المقبلة لن تكون محصورة في تحديد هوية الرئيس المقبل، بل في تقرير قدرة فرنسا على إصلاح ماليتها العامة وتجديد العقد الاجتماعي.

أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار نكس نت.

ذات صلة